قال تقرير أعده المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إن محافظة القدس تتعرض من جديد كما الأغوار الشمالية لهجوم استعماري، له تداعيات واسعة وخطيرة على مستقبل المناطق المحيطة بمدينة القدس، وعلى الأراضي الزراعية الواسعة في محافظة طوباس والأغوار الشمالية.
وأضاف في تقريره الأسبوعي الذي يرصد الفترة من 22 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري وحتى 28 منه، أن سلطات الاحتلال بدأت في هذا السياق تستخدم في السيطرة على الأراضي الفلسطينية وسائل متعددة بمسميات مختلفة نتيجتها واحدة، هي تسمين “المشروع الاستعماري” على حساب الأرض والمجتمعات الفلسطينية المحلية، تارة تستخدم ما تسميه بالأوامر العسكرية وتارة أخرى ما تسميه بالأوامر القضائية.
وأشار على ان سلطات الاحتلال أصدرت مؤخرا اوامر عسكرية يجري بموجبها الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، لشق طريق عسكري، وذلك بوضع اليد على أراضي، بعضها ملكية خاصة (طابو) وبعضها الآخر أراضي دولة، تمتد من منطقة عين شبلي مرورا بسهل البقيعة جنوب شرق طوباس، ومنطقة عينون قرب سهل طوباس، ويرزا شرق طوباس، وصولا إلى الشرق من قرية تياسير شرق مدينة طوباس.
وتتفاوت التقديرات بشأن طول هذا الطريق “العسكري”، فبينما تفيد هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بأنه وفق الخرائط المرفقة بالمشروع يتجاوز طوله 22 كيلومترا، ويستولي على نحو 1042 دونما من أراضي المواطنين، ما يحوله من مسار عسكري مؤقت إلى ممر استراتيجي يعيد رسم البنية الجغرافية للأغوار الشمالية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الضمّ التدريجي الذي يجري تثبيته خطوة خطوة دون إعلان رسمي، ويعيد تشكيل كامل المشهد الميداني شرق طوباس، ويحرم المزارعين والرعاة من الوصول إلى السهول الشرقية، التي تُعد العمود الفقري للحياة الاقتصادية والبيئية في المنطقة.
مصادر أخرى تفيد بأن الهدف من الاستيلاء هو شق طريق عسكري يصل من عين شبلي لغاية حاجز تياسير، بطول يزيد على 40 كيلومترا، وأن آليات الاحتلال تواصل أعمال التجريف عند المدخل الشرقي لقرية عين شبلي، بهدف نقل حاجز الحمرا العسكري على الطريق الواصل بين نابلس وطوباس وأريحا، وتقريبه إلى القرية، ما سيؤدي إلى عزل المحافظة عن محيطها، الى جانب الاستيلاء على 180000 دونم من اراضي المحافظة، وسيعزز سياسة العزل والفصل التي تنتهجها الحكومات الصهيونية المتعاقبة، في سياق سياسة تمزيق المناطق الفلسطينية.
وفي موازاة هذه الأوامر العسكرية الخاصة بمحافظة طوباس والأغوار الشمالية، وفي إطار سرقة أراضي الضفة الغربية، والاستيلاء عليها بالقوة، لصالح تعزيز البناء الاستعماري، وقّع ما يسمى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال آفي بلوت على 10 صلاحيات قضائية جديدة من شأنها تكثيف الاستعمار في الضفة الغربية، وتحويل عدد من البؤر والمزارع الرعوية والأحياء القريبة من المستعمرات الى مستعمرات قائمة بذاتها بكل ما يترتب على ذلك من خطط وامتيازات.
ومن بين الأحياء والبؤر والمزارع التي تم تحديث مجالها القضائي: جودر (تيفتس) في محافظة طولكرم، “لشم” في محافظة سلفيت، “كرم راعيم” كانت حي استعماري فصل عن مستعمرة “تلمون” في محافظة رام الله، وتحويلها الى مستعمرة مستقلة، “نيريا” الى الشرق من دير عمار في محافظة رام الله، “أبوت”، مزرعة جلعاد في محافظة قلقيلية، “إيفي هاناحال” في محافظة بيت لحم، فرشيم (إيل نفيه)، وكذلك تعديلات حدود لمستعمرتي “مشوعاه”، و”هار أدّار”، في محافظة القدس.
وتأتي الخطوة ضمن ما يسمى موجة التنظيم التي تقودها “إدارة الاستيطان” لدى سلطات الاحتلال، فمنذ بداية عام 2025، تم توقيع 39 مجالاً قضائياً جديداً، ومنح 30 مستعمرة جديدة مكانة رسمية، وذلك ضمن تنفيذ قرار الحكومة بإنشاء 50 مستعمرة جديدة في الضفة الغربية، ويُعدّ تحديد مجال قضائي مرحلة مركزية ومهمة في إقامة المستوطنة، إذ يتيح إقامة بنى تحتية، وتطوير مخططات.
وقد علق سموتريتش قائلا:” نواصل تعزيز الاستيطان وتعميم جذوره في كل أنحاء الارض المحتلة. تحديد مجالات الصلاحية هو خطوة صهيونية، أمنية ووطنية، تُضفي الاستقرار والمستقبل لعشرات آلاف المواطنين
إلى ذلك أصدر جيش الاحتلال الاثنين الماضي أمراً عسكريا بالاستيلاء على أكثر من 77 دونماً من أراضي أهالي بلدتي الزعيم والعيسوية شرقي القدس، ويأتي أمر الاستيلاء ضمن السياسات الصهيونية الهادفة إلى الاستيلاء على الأراضي في محيط القدس الشرقية.
في الوقت ذاته، أقامت مجموعة من المستعمرين في السابع عشر من الشهر الجاري بؤرة جديدة في القدس الشرقية، في حي صور باهر، بعد ان عمدت الى تسوير مساحة من الأرض تُقدر بعشرة دونمات، وتقع الأرض في منطقة مفتوحة بالقرب من الطريق الدائري الشرقي وحي صور باهر.
مصادر في بلدية الاحتلال في القدس المحتلة تُشير إلى أن المشروع مرتبط على الأرجح بجمعية “إلعاد الاستيطانية”، ويبدو أن إقامة هذه البؤرة هي الخطوة الأولى على طريق إقامة مستعمرة، حيث يسعى المستعمرون في هذه المرحلة إلى تحديد الأرض، والسيطرة عليها، في منطقة تعتبر في مراحل متقدمة من تسوية ملكية الأراضي ويدعي المستوطنون أنهم قاموا بشرائها.
وكشفت دراسة أجرتها منظمة “بمكوم” غير الحكومية، التي ترصد عمليات الاستيطان في القدس الشرقية، أن الحكومة تستغل عملية الاستيطان بشكل رئيسي لتمكين الدولة والجماعات الاستيطانية من الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في القدس الشرقية، وتسجيلها وفق قانون التسوية، الذي اقرته حكومة الاحتلال 2018 .
ويبدو أن الحكومة تُروّج لعمليات الاستعمار، تحديدًا في الأماكن التي تدّعي فيها الجماعات الصهيونية ملكيتها، ومن المحتمل أن يكون ادعاء المستعمرين بالشراء قد أدى إلى تقدم عمليات الاستيطان على أرض الواقع.
وفي القدس كذلك أخطرت سلطات الاحتلال بهدم وإخلاء محال تجارية ، وبرّرت اخطارات الهدم بأن الأبنية المطلوب إخلاؤها غير قانونية، ولا تملك رخص بناء، بينما يربطها الفلسطينيون بمشروع استعماري يمرّ في بلدة العيزرية.
وتقع جميع المحال التي تم إخطارها بالإخلاء في المنطقة المصنّفة (ج) والخاضعة للسيطرة الصهيونية المدنية والأمنية، بموجب “اتفاقات” أوسلو بين الفلسطينيين والصهاينة .
هذا الإجراء يشكل دمارا شاملا للاقتصاد ومصالح المواطنين، فالأمر لا يتعلق بمحلات فقط او بأراضي المواطنين، بل يتجاوز ذلك في اتجاه قطع التواصل الاجتماعي، خاصة في سياق تنفيذ المشروع الذي اقرته الإدارة المدنية في آب الماضي، مشروع ” E1 ” لبناء استعماري جديد، يمتد على مساحة 12 كيلومترا مربعا شرق القدس.
ورسميا، لا يوجد ربط صهيوني بين إخطارات الهدم والإخلاء والمشروع الاستعماري الكبير، وفق ما يقول أفيف تترسكي، الباحث في منظمة “عير عميم” الصهيونية المناهضة للاستيطان، لكنه يرى أن الكيان يريد “أن تأخذ الأراضي في المنطقة (ج) بدون الناس… ما يؤدي إلى زيادة عدد المستعمرين، وإخلاء التجمعات الفلسطينية “.
وفي خطوة كانت تراوح في مكانها منذ زمن، صادقت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، الثلاثاء الماضي ، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون يتيح للمستعمرين شراء عقارات في أي منطقة بالضفة الغربية بشكل مباشر دون المرور بالإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، ما يشكل خطوة متقدمة في مخطط ضم الضفة، وفرض السيادة الصهيونية عليها.
ويهدف مشروع القانون إلى إلغاء القانون الأردني المتعلق بتأجير وبيع العقارات للأجانب الساري في الضفة الغربية، والذي يرى فيه المستعمرون قيودا تحد من قدرتهم على الاستيلاء على أراضٍ وعقارات في الضفة الغربية بصرف النظر عن تصتنيف المناطق فيها، ويحمل اسم “إلغاء التمييز في شراء العقارات في يهودا والسامرة”، لسنة 2023، وقد تقدم به أعضاء الكنيست موشيه سولومون من حزب الصهيونية الدينية ( سموتريتش )، ليمور سون هار ميليخ، من حزب قوة يهودية ( بن غفير ) يولي إدلشتاين ( حزب الليكود ) ومجموعة أعضاء كنيست.
ويقضي الاقتراح بإلغاء القانون الأردني المتعلق بتأجير وبيع العقارات للأجانب، والذي يسري في الضفة الغربية، والسماح لأي مستعمر بشراء حقوق العقارات في مناطق “أ” و”ب” و”ج”، دون الحاجة إلى إذن من الإدارة المدنية.
وأمام استباحة جيش الاحتلال والمستعمرين الارهابيين للضفة الغربية، قال مركز المعلومات الصهيونية لحقوق الانسان “بتسيلم” إن الوضع في الضفة الغربية المحتلة يشهد استباحة مطلقة لحياة الفلسطينيين من قبل منظمات المستوطنين الارهابيين وقوات الجيش الصهيوني .
وأفاد المركز في أحدث تقاريره، بأن الكيان قتل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 1004 فلسطينيين، بينهم 217 قاصرا، و21 منهم قتلوا على الأقل برصاص مستعمرين.
وأوضحت المديرة العامة لـ”بتسيلم” يولي نوفاك، أن الوضع يتدهور يوميا، نتيجة غياب أي آلية داخلية أو خارجية تمنع الكيان من ممارسة ما وصفته بالتطهير العرقي في الضفة، ودعت المجتمع الدولي لإلغاء الحصانة التي يتمتع بها الكيان ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم بحق الفلسطينيين.
وأضافت نوفاك أن الجيش الصهيوني ينتهج سياسة إطلاق نار متساهلة وغير مقيدة، تشمل القصف الجوي، ويجند ويسلح آلاف المستعمرين في كتائب دفاع إقليمية وفرق تأهب داخل المستوطنات.
وأشارت إلى أن المستعمرين المسلحين يهاجمون الفلسطينيين يوميا، ويحرقون المنازل، والمحاصيل الزراعية ،وينهبون ويقتلون، في حين نادرا ما تجري سلطات إنفاذ القانون الصهيوني تحقيقات ضدهم، ولم تسجل أي إدانات قانونية، رغم توثيق معظم الهجمات.




