More

    صحيفة “عكاظ”: حين يُمس أمن السعودية تسقط كل الحسابات الأخرى

    أشارت صحيفة “عكاظ” السّعوديّة، إلى أنّ اليمن​ لم يكن يومًا ساحةً لاستعراض القوّة، ولا التحالف غطاءً لمشاريع جانبيّة، ولا التدخل السّعودي بحثًا عن نفوذ أو مجد إقليمي، موضحةً أنّ السعودية​ دخلت اليمن لأنّها دولة جوار تدرك أنّ الفوضى لا تُدار بالبيانات، وأنّ انهيار الشّرعيّة في دولة على حدودها لا يمكن احتواؤه لاحقًا مهما طال الزّمن، فترْك اليمن يتفكّك كان يعني تهديدًا مباشرًا لأمنه وأمن السّعوديّة، وفتح المجال أمام السّلاح والطّموح السّياسي والمشاريع العابرة للحدود لتعيد رسم المشهد خارج إرادة اليمنيّين أنفسهم.

    ولفتت إلى أنّ “منذ البداية، كان القرار السّعودي واضحًا ومعلَنًا: حماية الأمن القومي للسّعوديّة لا ينفصل عن حماية اليمن، ولا تُبنى على حساب شعبه أو وحدته أو شرعيّته. فلم تتعامل السّعوديّة مع اليمن كملف نفوذ، بل كمسؤوليّة سياسيّة وأمنيّة وإنسانيّة، حملت عبئها الأكبر، وقادت تحالفًا هدفه الاستقرار لا إعادة توزيع الأدوار”، مركّزةً على أنّ “الرّهان السّعودي كان ولا يزال منذ اليوم الأوّل، أنّ استقرار اليمن هو الطّريق الأقصر لحماية المنطقة، وأنّ أيّ حلّ لا يمرّ عبر الدّولة اليمنيّة لن ينتج إلّا فوضى مؤجّلة”.

    وأوضحت الصّحيفة أنّ “في هذا الإطار، لم يكن التحالف السعودي​ مجرّد تنسيق عسكري عابر، بل التزام سياسي وأخلاقي بقواعد واضحة: دعم الشّرعيّة، حماية مؤسّسات الدّولة، ومنع تفكّك السّاحة إلى كيانات مسلّحة متنازعة. وكان الهدف إنهاء الفوضى لا إدارتها، وتجفيف منابع السّلاح لا إعادة توجيهها، وبناء مسار سياسي قابل للحياة، لا فرض وقائع ميدانيّة تُعقّد أي تسوية لاحقة”.

    وأضافت: “غير أنّ التحالفات، حين تنحرف عن غاياتها، تصبح أكثر خطورةً من الخصوم أنفسهم. فالخلل الحقيقي لا يبدأ عند اختلاف الرّؤى، بل عندما تُدار هذه الاختلافات خارج قنوات التنسيق، وبأدوات ميدانيّة تُفرض كأمر واقع”، مبيّنةً أنّ “عندها، لا يعود الأمر تباين تقدير أو اختلاف أولويّات، بل مسارًا يُربك الهدف الّذي قام عليه التحالف من الأساس، ويضع الدّولة القائدة أمام معادلات لم تختارها”.

    كما ذكرت أنّ “هنا تحديدًا، ارتفع الخلاف من كونه سياسيًّا قابلًا للإدارة، إلى وقائع ميدانيّة صلبة. فحين تنتقل الاختلافات من غرف التنسيق إلى مسارات الإمداد، وحين يُضخ السّلاح والتمكين لفصيل بعينه خارج إطار الدّولة، فإنّ هذا الأمر لا يعود مجرّد تباين في القراءة، بل تدخّلًا مباشرًا في معادلة الأمن”، ورأت أنّ “الأخطر أنّ بعض هذه التحرّكات جرت عبر قنوات لوجستيّة معروفة، وبعيدًا عن أي تنسيق معلَن داخل التحالف، بما أسّس لقدرة عسكريّة مستقلّة داخل ساحة يُفترض أنّها تُدار بمنطق الشّراكة لا بمنطق الوكالات”.

    واعتبرت “عكاظ” أنّ “بذلك، لم تعد المغامرة السّياسيّة شأنًا يمنيًّا داخليًّا، ولا خلافًا عابرًا بين حلفاء، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر لمعادلة الرّدع والاستقرار الّتي قامت عليها الشّراكة منذ بدايتها. فالسّلاح حين يُسلَّم خارج الدّولة، لا يبقى أداة ضغط سياسيّة، بل يتحوّل إلى عامل فوضى مفتوحة، أوّل من يدفع ثمنها دولة الجوار الّتي تتحمّل كلفة الأمن وحدها، وتواجه ارتدادات أي انفلات ميداني بلا وسيط”.

    وأشارت إلى أنّ “هنا تتباين الحسابات بوضوح. فدولة قد ترى في بعض السّاحات مجالًا لترتيب نفوذ أو إدارة مصالح مرحليّة، بينما ترى السّعوديّة في السّاحة ذاتها خطّ تماس مباشر مع أمنها الوطني. ما تراه جهة أخرى خطوة صغيرة أو مراوغة ميدانيّة، تراه السّعوديّة خطرًا طويل المدى، لأنّها دولة حدودها مفتوحة على الحدث ولا تستطيع المجازفة أو القبول بحلول غير واضحة”.

    إلى ذلك، شدّدت على أنّ “الموقف السّعودي لم يكن ردًّا متسرّعًا، ولا تصعيدًا غير محسوب العواقب، بل إعادة ضبط لبوصلة التحالف عند لحظة مفصليّة. فحين يُمس أمن السّعوديّة، تسقط كلّ الحسابات الأخرى، لأنّ هذا الأمن ليس بندًا تفاوضيًّا داخل أي شراكة، ولا ملفًّا قابلًا للمساومة. فالتحالفات تُبنى لرعاية أمن الدّول، لا لاختباره، وتُدار لحماية الاستقرار، لا لإعادة تعريفه وفق حسابات ضيقة”.

    وتابعت الصّحيفة أنّ “الأهمّ أنّ هذا الموقف لا ينطلق من قطيعة، ولا من إنكار لعمق العلاقات، ولا من تجاهل لتعقيدات المشهد الإقليمي. لكنّه ينطلق من قاعدة سياديّة بسيطة: لا شراكة يمكن أن تستقيم إذا طُلب من دولة أن تتعايش مع تهديد أمنها باسم التنسيق، ولا تحالف ينجح إذا خرج عن غايته الأولى وتحوّل إلى ساحة فرض وقائع”.

    وأكّدت أنّ “السّعوديّة هنا لا تتحدّث من موقع الانفعال، بل من موقع المسؤوليّة. مسؤوليّة تجاه أمنها الوطني، وتجاه اليمن، وتجاه فكرة التحالف نفسها. فالدّول الّتي تقود تحالفات لا تقايض أمنها، والدّول الّتي تحترم شركاءها لا تفرض عليهم مسارات ميدانيّة خارج إطار التفاهم”، خاتمةً أنّ “تلك هي القاعدة الّتي لا تحتمل التأويل ولا تقبل الاجتهاد: حين يُمسّ أمن السّعوديّة، تسقط كلّ الحسابات الأخرى”.

    Latest articles

    spot_imgspot_img

    Related articles

    spot_imgspot_img